الرئيسية / ثقافة و اَراء / الأمازيغية و الصراع ضد هيمنة السلطة عبد الحي أملوك
الأمازيغية و الصراع ضد هيمنة السلطة عبد الحي أملوك

الأمازيغية و الصراع ضد هيمنة السلطة عبد الحي أملوك

الأمازيغية و الصراع ضد هيمنة السلطة 
 
من المعلوم أن المغرب أوائل القرن العشرين لم تكن فيه القضية الأمازيغية قد طرقت بعد مجال الفعل السياسي لما كانت تتمتع من حضور وتجدر في أوساط الغالبية الساحقة من المغاربة الذين لم يكونوا قد بدؤوا في فقدان اتصالهم الحيوي و والوضيفي معها .
إن النخبة التي ستأخذ على عاتقها مهمة تعريب المجتمع والمجال كانت جد محدودة آنذاك في بعض فضاءات المدارس الدينية وفي بعض الأوساط المجتمعية من العائلات الأريستوقراطية المتدثرة بعباءة السلفية و التي كانت  تملك القدرة على الفعل السياسي أو هي مؤثرة في بعض الأوساط المدينية كفاس والرباط ومراكش .
هذه النخبة التي ستشكل البرجوازية المدينية في ما بعد والتي ستتغلغل في مفاصل الإدارة الاستعمارية  بعد معاهدة الحماية و ذلك على جميع الأصعدة ، هذه النخبة سميت آنذاك زورا وبهتانا ب”الحركة الوطنية” التي ستعمل إلى جانب الاستعمار الفرنسي على جعل اللغتين العربية والفرنسية تشكلان عصبي المجال والوضع اللغوي الجديد . ففي ماي  من سنة 1930 ستصدر إدارة الحماية الفرنسية ظهير سمته ب” الظهير المنظم لسير العدالة في المناطق ذات الأعراف البربرية و التي لا يوجد بها محاكم شرعية” ، هذا الظهير أثار حفيظة هذه النخبة ذات التطلعات البرجوازية والتي كانت قد صاغت في نفس السنة الشعار المعروف ب”العروبة والإسلام” بعد الزيارة المشهورة لشكيب ارسلان إلى تطوان  لتقوم بعض المظاهرات في المدن التي فيها تأثير لهذه النخبة و الذي سمته ب”الظهير البربري ” تماشيا مع الإيديولوجية التي تبنتها في صراعها الثانوي مع الاستعمار ( اسطر هنا على الطبيعة الثانوية لهذا الصراع لان مصالحها الرئيسية كانت منسجمة معه). 
منذ هذه اللحظة بدأت النخب الأمازيغية تستشعر خطر إقصاء لغتها وثقافتها وذلك بعد أن بدأت الدولة الاستعمارية و طلائع البرجوازية المدينية المتمثلة في ما سمي بالحركة الوطنية في تأسيس ملامح الدولة العصرية مما دفع  بهذه الأخيرة ضمن إيديولوجيتها وضع أسس لغوية للهيمنة والسيطرة وبذلك تبوأت لغتا الحليفين صدارة المشهد اللغوي في المغرب منذ آنئذ.
 سيستمر هذا الخيار الإيديولوجي الذي ستعتمده الدولة المخزنية بعد الاستقلال الشكلي بتحالفها مع الأطراف السياسية والاجتماعية المتمثلة في هذه البرجوازية المدينية مع تطعيمها بأوليغارشيات قروية من أصول أمازيغية ولسان فرنسي من أجل خلق توازن القوى المتصارعة على تقسيم الغنائم التي أتاحها لها الاستعمار عبر اتفاقية “ايكس ليبان”.
يتبين جليا من خلال هذا المدخل أن الأمازيغية تعرضت في القرن الأخير لمحاولات الاستئصال والاجتثاث بشكل غير مسبوق على طول تاريخها في شمال إفريقيا . هذه المحاولات كانت في إطار إحكام السيطرة الإيديولوجية للدولة بما هي سلطة معبرة عن التوجه الهيمني لنخب برجوازية آلت إليها هذه السلطة خصوصا بعد صفقة “ايكس ليبان” .
لكن وفي مفارقة تاريخية سيتبين مدى مقاومة وصمود الأمازيغية ، لغة وثقافة وذلك بفضل تجدرها وفعاليتها الرمزية والأنطولوجية في المخيال الجماعي للإنسان المغربي ، فهي جزء لا يتجزأ من كينونته و المتواجدة في أعماق تفاصيل حياته الاجتماعية ( مادية – رمزية – تعبيرية .. الخ). 
إن التوجه الهيمني للسلطة هي تطبيق لإستراتيجية الاحتواء الثقافي  وقد استعملت فيه وقودها الإيديولوجي من خلال الأجهزة و الأدوات الإيديولوجية والتحكمية للدولة من دون كشف القناع الحقيقي للسلطة  المتمثل في العنف المادي إلا في حالات نادرة وذلك لعدم فعاليته بالنظر إلى تجدر الأمازيغية في كينونة الإنسان المغربي على طول الخريطة الوطنية ،في أعماق الوديان وقمم الجبال و في الصحاري الشاسعة ، فكان لابد للدولة/السلطة من أدوات إيديولوجية كفيلة بهذه المهمة (الهيمنة والسيطرة) من خلال المدرسة والتي تعد الوعاء الحقيقي لتنميط التفكير على المدى المتوسط والبعيد خصوصا بعد أن أصبحت في متناول نسبة مهمة من السكان . هذه المدرسة بما هي أداة إيديولوجية أساسية في يد السلطة بالإضافة إلى طاقمها المجند في بداية توسعها الجغرافي أصبحت اليد الضاربة لقلب موازين القوى اللغوي والثقافي وذلك بتزوير الحقائق التاريخية والجغرافية وإضفاء الشرعية على النخب المتحكمة في دواليب الدولة والبحث لهم عن أصول من خارج بيئتهم الحقيقية . تتمثل هذه الشرعية في كثير من الأحيان في البعد الديني المرتبط أشد الارتباط بالشرق ، في حين أن هذه النخب تستمد مظهرها من المستعمر  وفاء للارتباط الوثيق لمصالحها الاقتصادية  معه كونها وكيلته المحلية .
من خلال كل هذا يظهر أن تهميش الأمازيغية ومحاولات استئصالها لم يكن نتيجة خطابات في منتديات أو في إطار تيارات سياسية من خارج السلطة بل هي من صميم الفعل الإيديولوجي و السياسي لهذه السلطة وحلفاؤها بجميع مشاربهم مستعملين في ذلك كل أدواتهم من أجل الهيمنة و السيطرة ثم الاستئصال في ما بعد ، مما يلقي على الفاعل الأمازيغي توجيه صراعه اتجاه السلطة المنتجة لهذا التغييب والتهميش والتموقف بكل وضوح إزاءها كنقيض في هذا الصراع من أجل  الحقوق الطبيعية للمغاربة في إثبات هويتهم و رفع هذا التهميش و هذه السيطرة التي تستعمل فيها كل اللوجيستيك الإيديولوجي لاقتلاعها ، من دون ذلك فانه سيصبح في موقع من يصارع طواحين الهواء أو هو يبتغي العنوان الخطأ في أحسن الأحوال.
عبد الحي أملوك 
طنجة . 10/03/2016

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى