الرئيسية / ثقافة و اَراء / في باب التعريف بأعضاء مجموعة ” تواتون ” الغنائية جمال حميد
في باب التعريف بأعضاء مجموعة ” تواتون ” الغنائية جمال حميد

في باب التعريف بأعضاء مجموعة ” تواتون ” الغنائية جمال حميد

 في باب التعريف بأعضاء مجموعة ” تواتون ” الغنائية 

3 ـ  …الموهبة التي ابتلعتها مجاهل الغربة 

تقديم : حميد جمال من العناصر الأولى التي وضعت حجر الأساس لهذه المجموعة الغنائية الأمازيغية بالريف ” تواتون ” وساهم  ضمنها في تلمس الطريق نحو بناء أغنية أمازيغية  جديدة ذات مضمون ملتزم بقضايا الشعب المغربي : مآسيه ..آماله وطموحه .

 

12

وكان أول أعضاء  تواتون الذين جرفتهم طاحونة الهجرة نحو أوروبا بعد أن ترك بصماته الواضحة في المسار الغنائي للمجموعة  على امتداد سنوات السبعينات …

تابع جمال مشواره الغنائي بالديار الهلندية ، حيث لم يكتف بالغناء سبيلا لتفجير طاقاته الفنية الهائلة ، وإنما انخرط بقوة في ميادين مختلفة تراوحت بين الموسيقى والمسرح و الإعلام السمعي والبصري وكذا السينما والتلفزة ..ولا يزال بنفس الحيوية في مساهماته السخية في بحر هذا التعدد والغني الفنيين .

فحميد جمال المزداد سنة 1960 بالحسيمة ، احتك بالغناء  في سن مبكر من حياته( 13 و14 ) حينما شرع  ضمن مجموعة زملاء المدرسة في تقليد أغاني ناس الغيوان وجيلالة ،  وغيرها من  الأغاني الشعبية  التي كانت تذاع عبر الراديو أو ضمن الإسطوانات التي كانت تعج بها بيوت حيه الشعبي ” دهار نمسعوذ” بالحسيمة ،  وما ألفه ، قبل ذلك ، مع أترابه الأطفال حينما كانوا يستعينون ببعض الأواني والأدوات القصديرية لضبط الإيقاع واللحن ، قبل أن ينعم عليهم صاحب الدكان ” بارسونا ” بآلة شبيهة ب”البانجو ” من صنع يده ، والتي كانت تسعفهم على ترديد إزران وأغاني أمازيغية مشهورة وقتذاك لدى موذروس ويامنة الخماري وفاطنة العباس وفتيات ثيزي وسلي وغيرها…

واسترسل جمال في تطوير ودعم محاولاته الغنائية الجنينية الأولى رفقة أصدقاء آخرين ، منهم : القدوري عبد الآله ومحمد الزياني وأكاريدان وأحد أبناء أضبيب …وهو مسكون دوما بهذا النمط الغنائي الكاسح الذي مثلته الأغنية الغيوانية والجيلالية بحر السبعينات ، مما ولد لديه ، بعد ذلك ، قابلية الانصهاروالاندماج  التلقائي والسريع مع شباب جدد قاسموه ذات الموهبة  : منهم : محمد المعكشاوي (الميت) بوجمعة أزحاف وعبد العزيز بنحدو ( الطنجوي) ومحمد الزياني الذي جمعته بجمال علاقة الطفولة ضمن دروب حي “دهار نمسعوذ” المذكور، قبل أن ينضم إليهم ، بمدة وجيزة ، الفنان عبد المجيد بليزيد ( ثيرلي)  74/75…لتشكل هذه العناصر النواة الأولى لمجموعة تواتون الغنائية التي سرعان ما انسلخت من التقليد لتباشر الخلق والإبداع  الأمازيغيين ، لتجد لها جمهورا واسعا وسط الأحياء الشعبية وهوامش المدينة حيث كانت تعرض منتوجها ضمن مناسبات عائلية وأفراح الأصدقاء والجيران… في وقت عانت فيه الحسيمة من غياب تام  للمرافق الثقافية والإطارات الجمعوية  والمعاهد الموسيقية المفترض استيعابها لهذه المواهب والطاقات الشبابية في مختلف الميادين …

 

 

14

  • …والمجموعة بصدد استعدادها للمشاركة في المهرجان الثاني للأغنية الشعبية بالناظور سنة 1980،  فاجأ جمال الجميع باضطراره لمغادرة الوطن باتجاه أوروبا في إطار التجمع العائلي وهو شاب في ربيعه الثاني( 20 سنة)..لتفقد تواتون بذلك أحد أعضائها البارزين الذي برع في النقر على أداة الطمطم قبل أن يتسلمها منه بوجمعة أزحاف من بعده…
  • بمجرد ما وطأت قدماه بلاد هولندا ، قدم جمال نفسه لأحد البرامج الفنية بإذاعة (همبرسم )  كواحد  من ذوي التجربة  في الغناء الأمازيغي ضمن ظاهرة المجموعات بالريف ، راغب في الانضمام لإحدى التجارب المماثلة في بيئته الجديدة..(هلندا)  ، مما شجع صاحب هذا البرنامج الإذاعي نفسه (وهو من ذوي التجربة الغنائية أيضا ) على تشكيل فرقة غنايئة مكونة منه هو وحفيده  إضافة إلى جمال، وهي الفرقة التي ، أثبتت نجاحها خلال تظاهرات غنائية هامة دون ان يكتب لها الاستمرارمع الأسف  .. ونفس المصير ستلقيه تجربة  مماثلة  ـ مع شباب آخرين من القصر الكبير ـ  سرعان ما انسحب منها  جمال  لاقتصارها على تأدية الأغاني العربية دون الأمازيغية.
  • وحدث يوما أن اطلع جمال ـ بمدينة أمستردام ـ على إعلان عن مهرجان  غنائي  ، من بين المشاركين في فعالياته مجموعة أمازيغية تسمى ” إثران نريف” وأصر يومئذ على الحضور، محاولة منه الاتصال بأعضاء هذه المجموعة ، فكم كانت المفاجأة سارة، حينما وجد نفسه بين فرقة من ضمن عناصرها البارزين الأخوين  : محمد رحمه الله وعبد العزيز العيادي وهما من أقرب جيرانه بالحسيمة ، لهما معرفة مسبقة بجمال الفنان الذي أفصلته عنهما ظروف الغربة وطول الغياب …

أعجب جمال بالأداء المنسجم وبالقيمة الفنية للمنتوج الغنائي الذي قدمته المجموعة لتلك الأمسية ، فكان ذلك كافيا للطرفين لإبرام اتفاق تلقائي بشأن العمل المشترك ….وهو العمل الذي كلف جمال الكثير من التضحيات والمغامرات !  بحيث كان يقطع مسافة 82 كلم لعدة مرات في الأسبوع  ما بين  مدينة “أوتريخت” و “أيدهوفن” لمواكبة التداريب … فقد شارك جمال هذه المجموعة عدة تظاهرات غنائية أبرزها : موسم الهجرة الثاني ببروكسيل و أمستردام سنة 1982 …

غير أن إرهاق ومعاناة التنقل والسفريات المستمرة ( التي  فقد على إثرأحدها بالقطار ،آلته الموسيقية  ـ البزوق ـ) دفع جمال إلى التفكير في تشكيل مجموعة محلية بأوتريخت  ، خاصة بعد التحاق أخوه مصطفى و الأخوين :عبد الكريم وعبد المالك بويزيضن مع بوشنافة قناعة وعبد الله الفكيكي ، وأغلبهم من أبناء الحي الواحد عايشوا تجربة تواتون عن قرب ، بل أكثر من ذلك ، فعبد الكريم بويزيضن هو أحد شعراء اتواتون الأوائل وصاحب القطعتين : “ما ميا أغنقيم أمووجي خيسومار “و “خزار رعافيث ماني ما ثشعشع ” وغيرها … مما سهل الانسجام وخلق مجموعة” أنوال” في نفس السنة : 1982  ليستأنف جمال ضمنها  مشاركاته المكثفة في إحياء ذكريات ثورة الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي  ومحطات تاريخية مماثلة كما تضمنتها  أغنية “كّرعاهذ بني وطاس…” التي جمعت الأمازيغية والدارجة  في أدائها المتميز ..  أغنية  ذات ميلودية شعبية ، مضمونها حكاية كانت ترويها إحدى الجدات لحفيدها ( من عناصر مجموعة أنوال) .. تستعرض أهم المراحل التاريخية للمغرب، منذ بني وطاس إلى العلويين مع إشارات لانتفاضة الريف 58/59  والأحداث الكبرى لبداية السبعينات وما تلاها من انتفاضات شعبية… وهي الأغنية التي نالت إعجاب  الجمهور الذي كان يلح ، خلال التظاهرات  والأمسيات ، على إعادتها  لمرات عديدة على مسامعه …..

 

16

فتجربة جمال ضمن مجموعة  أنوال استمرت عقدا من الزمن  من 1982 إلى حدود 1992 جابت خلالها  هذه الأخيرة ، جل دول أوربا : فرنسا بلجيكا وألمانيا …من دون أن يسبق  لهذه التجربة أن سجلت إنتاجها الغنائي بشكل رسمي ما عدا ما كان يقوم  به الأصدقاء والمحبين عبر آلة magnitophone.. وهذا راجع  كما يقول جمال دائما ، لعدم اقتناعه بما يحكم مجال التسجيل عندنا من هاجس الربح والخسارة والتهافت على المقابل المادي على حساب جودة المنتوج الفني الهادف إلى الرقي بذوق المستمع .

  • اهتدى جمال في مرحلة من مراحله الفنية إلى الانخراط في إنجاز أعمال موسيقية خاصة مع  هولنديين بلغوا  مستويات متقدمة في الإبداع والاجتهاد الموسيقيين ، معتمدين على منهجية فريدة للاندماج التلقائي في عالم الموسيقى ودون منطلقات مدرسية  كلاسيكية معهودة ،  ولا حتى بتخطيط مسبق للأهداف ، بقدر ما يرتمي الممارسون لهذه الموسيقى في بحرالأداء المتدرج عبر مقامات موسيقية سرعان ما تشعرهم بالانغماس والذوبان لحظة بلوغهم ذروة الموسيقى الصوفية التي هي نفسها درجة “الحال Transe “عند الغيوان  ، حيث يساهم الكل في بناء مقاطع نغمية ذات مستوى عال جدا في الأداء الموسيقي الحر والطليق ، وهذا المستوى الموسيقى هو ما يعتبره جمال جزء من الاجتهادا ت التي يتطلبها راهن الأغنية عموما لتتبوأ مكانتها اللائقة ضمن  باقي الفروع الفنية الأخرى …وهو الكفيل بالنهوض بأغنيتنا الأمازيغية خصوصا لتلعب دورها التعبوي وتهذيب الذوق  الفني لدى جمهورها الواسع.

11

التجربة المسرحية :

  • في سنة 1988  ولج جمال كونسيرفاتوار/ المسرح ، أملا في إنجاز تجربة المسرح الغنائي  لما يفسحه من إمكانيات التحرك الحرعلى الخشبة تسمح بتادية أدوار مصاحبة بالغناء والرقص وكل الفنون الأخرى ..فدخل التجربة وحيدا فيما تردد باقي أعضاء ” أنوال” ، ليجد جمال نفسه هذه المرة وحيدا وسط الهلنديين ..وشيئا فشيئا تحول ذلك إلى قناعة راسخة لديه  ..سيما وانه سبق وأن مر بتجربة مسرحية متواضعة اكتسبها في إطار ” جمعية أرضية الشباب المغاربة بأوتريخت ” التي اشتغل فيها وأعضاء آخرين لمدة طويلة ….فمن أهم الأعمال التي قدمها جمال خلال هذه الفترة : المسرحية الأمازيغية” رفاح كّرمراح”  رفقة الممثل والمخرج المسرحي االذائع الصيت بفرنسا والمعروف بإعجابه الكبير بنصوص كاتب ياسين : وهوالمرحوم  أقيعان العاقل ابن منطقة اسواني بالحسيمة ، و” رفاح كّرمراح” التي قدمت في إطار المهرجان الأمازيغي الثاني 1990 ..هو تجسيد ملموس لأجواء العرس بالريف بطقوسه وعاداته ومظاهره وما يمثله من عمق ثقافي وحضاري لإيمازيغن …وهو العمل الذي ترك انطباعا إيجابيا لدى الجمهور الذي ظل يتساءل عن سر هذا التراجع الذي عرفته  تلك التجربة المسرحية الاستثنائية بعد ذلك …

في المسرح عثر جمال على ذاته إلى حد كبير ، ذلك أن المسرح  ، حسبه ” يختزل كل الفنون بما يجعله يستحق عن جدارة نعت (أبو الفنون)  ..يسمح بالغناء والرقص والتشكيل بقدر ما يخلق وضعيات مختلفة مع أقصى إمكانيات التحرك الحر…“وقد انخرط فيه جمال مع  فرق مسرحية معروفة وذات شأن في الوسط الهولندي ، خصوصا في مجال مسرح الطفل الذي يبرمج جولات تأطيرية عبر المؤسسات التعليمية.يشارك فيها جمال مرة بالتمثيل المباشر وتارات أخرى بالمرافقة الموسيقية ..كما ساهم جمال ولا يزال ضمن إحدى الفرق التي تتميز بعدم اشتغالها على  النصوص المسرحية الجاهزة ، المستقاة من الكتب والمراجع ، بقدر ما تتعاطى لمسرح الواقع / الفرجوي حيث تباشر الفرقة عملها مع وضعيات واقعية معاشة بعد دراية قبلية لطبيعة المشاكل الاجتماعية والأحوال العامة التي تسود الوسط  السكاني  المستهدف ،  خصوصا في الأحياء ذات التواجد المكثف للأقليات ومنها المغربية،  وقد دام اشتغال جمال مع هذه الفرقة مدة 6 سنوات ..

 

17

جمال والتجربة الصحفية والإعلامية :

  • في سنة 1994 دخل جمال مجال الصحافة لأول مرة ، مغامرا في تأسيس برنامج إذاعي بمدينة أوتريخت   .. في نفس الوقت الذي انخرط فيه بتدبير أمور جمعية الأرضية Plate-forme التي كان بعض منخريها ضمن هيئة التحرير..ومع بروز المطالب الأمازيغية بشكل ملحوظ وسط المهاجرين ، فكر جمال في تطوير  أداء هذا البرنامج  الإذاعي ، رغم ما صادفه من صعوبات وتحديات مرتبطة بصعوبة الدمج العادل والمنصف في الاشتغال على محوري العربية والأمازيغية ..في هذه الفترة نتذكر جميعا المجهود الذي بذله جمال ، من خلال  برنامجه الإذاعي ذاك ، في التغطية والمتابعة الصحفية لزلزال الحسيمة 1994  والتعريف بمعاناة ساكنة المنطقة مع تداعيات الحدث ، على ضوء التعاطي الرسمي للدولة المغربية مع مطالب وحاجيات المنكوبين ..إلخ  كما يشهد لجمال ـ خلال هذه الفترة 1995ـ فوزه بإجراء إحدى الاستجوابات الإذاعية الأخيرة مع فقيد الحركة الأمازيغية :الدكتور قاضي قدور قبيل وفاته بقليل ..( وهو الاستجواب الذي سنعمل على نشر أهم فقراته في القادم من الأيام نظرا لأهميته بما سينيره من جوانب هامة في فكر الفقيد قدور بإسهاماته الفكرية و العلمية ، وما كان يتطلع إليه من أهداف مرحلية واستراتيجية من أجل الأمازيغية ،  فقيد أمازيغي ما أحوج جيلنا الحالي إلى الاطلاع على إنجازاته كأحد الباحثين الاستثنائيين ..)

وقد استمر هذا البرنامج إلى حدود سنة 2000 حيث عرفت أقسام هذه الإذاعة تحولا جذريا ،  فرض على جمال التفرغ كلية للعمل الإذاعي والتلفزي بعد استفادته من دورات تكوينية ودروس على يد أساتذة كبار اكتسب من خلالها تقنيات إضافية وخبرة جديدة  ، ليشتغل بعدها محررا للأخبار بالتلفزة الجهوية وفي نفس الوقت مصورا ميدانيا  ومتتبعا لدقائق الأحداث في الزمان والمكان متسلحا بالجرأة وطول النفس ..وهي أتعاب عادية في مثل هذا العمل الشاق والصعب لمن أراد ربح رهان البحث عن الحقيقة والتقصي في مصادر الخبر ومصداقيته  ..  خاصة بعدما  تحول لديه هذا كله من مجرد موهبة ولجها بالصدفة ، إلى عمل رسمي محترف ، وهكذا وجد  جمال نفسه  محروما  من ممارسة باقي اهتماماته الفنية  الأخرى كالأغنية والمسرح ..

التجربة السينمائية :

  • من جانب آخراكتسب جمال تجربة مستحسنة في بعض البرامج التلفزية الخاصة بالتوجيه والارشادات وتوعية المهاجرين عبر أفلام الفيديو في مجال الصحة والتعليم لجعلهم  يستوعبون القوانين المنظمة للحياة الاجتماعية للمهاجرين خصوصا لدى المغاربة ، كما أثبت جمال مشاركته في بعض الأدوار السينمائية حيثجسد شخصية بعض الرموز الدينية عندنا ك”الإمام” الذي لمع في تأدية دوره في فيلم مشهور بهولندا  محوره : ترشيد وتوعية الآباء لضبط علاقتهم السليمة مع الأبناء و كذا علاقة هؤلاء الأبناء فيما بينهم .

عود على بــــدء : لقد شوهد جمال حميد خلال الأشهر الماضية من سنة 2016عبر بعض المواقع الالكترونية واليوتوب ، مشاركا في تظاهرات ثقافية عرفتها بعض الدول الأوروبية ، كما ظهر مرافقا ـ بالعزف والغناء ـ الفنانة الشابة الصاعدة والواعدة  لينا شريف في عروض غنائية أبهرت الجمهور الواسع الذي ألف الفن الجميل والهادف …

 

15

 

19 18

من إعداد : محمد الزاياني

الحلقة المقبلة مع محمد المعكشاوي( الميت)

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى