الرئيسية / ثقافة و اَراء / في تصريح سابق للفنان الموسيقي والباحث الأمازيغي قاسم الورياشي (قوسميت)
في تصريح سابق للفنان الموسيقي والباحث الأمازيغي  قاسم الورياشي (قوسميت)

في تصريح سابق للفنان الموسيقي والباحث الأمازيغي قاسم الورياشي (قوسميت)

في تصريح سابق للفنان الموسيقي والباحث الأمازيغي  قاسم الورياشي (قوسميت)

 

إن الموسيقى منغرسة  في بيئتنا الأمازيغية الريفية  كما في وجدان أهلها ، فيكفي إطلالة خاطفة عن التجمعات العائلية في البوادي لتجد أن كل بيت يحتوي على أجون( بندير/الدف) كما على ثامجا ( الناي)  …وطبعا فلكل راعي الغنم قصبته يقضي يزجي بها أوقاته الطويلة  في المراعي والحقول ، كما تظل الأم والجدة تسرد أشعارها الملحنة وهي تباشر طاحونتها  التقليدية… وكذلك تفعل الفتيات / العذارى في الأعراس وفي مهرجانات محلية مثل ثويزا … و أشير إلى أن أهل الريف ، معروف عنهم  شغفهم بهذه الموسيقى منذ الطفولة ، وكلنا يتذكر أن كلما أقدمت عائلاتنا على ذبح بعض الدواجن ، خصوصا الأرانب منها ، كانت تتبرع  علينا نحن الأطفال بجلد وبره لنصنع منه لأنفسنا أجون / دفا  / بنديرا ، دون أن ننسى بأن الآباء بدورهم كانوا يشجعون على ممارسة الموسيقى والغناء..

فمثل هذه العلامات البارزة التي وشمت تاريخنا الطفولي ، لها أكثر من دلالة مادية ورمزية في ثقافتنا كجزء من هويتنا المستمرة عبر الأجيال …

لكن بالمقابل ، نجد أن المسألة التي يرفضها ويزدريها الإنسان الأمازيغي بالريف هي صفة الفنان /Artiste  بمدلوله العصري ! .

فالأمازيغي عندنا يغني بتلقائية فائقة في مختلف المناسبات والمجالات المذكورة بعضها آنفا ، لكن دون أن يضفي على نفسه صفة الفنان  الذي تمقته بيئتنا وتنبذه ثقافتنا التقليدية بالريف.

  • عايشنا، فترة السبعينات ، بعضا ممن آثر خدمة الموسيقى الحقة والكلمة الجميلة الصادقة ( بعد أن شاعت أغاني ساقطة كانت تنسب للشيخات و التي تفتقد للقيمة الفنية ، دون أن يكون حكمنا هذا مطلقا وعاما على مثل هذه الأغاني) قلت ، فبعض التجارب الشبابية فترة السبعينات  حاولت النهوض بالأغنية الأمازيغية بعيدا عن كل تمييع ..
  • بالنسبة لأغاني الساعة ، فقد شكلت ما يمكن أن أسميه شخصيا ب”الخطأ الكبير” ضمن المسار الغنائي الطويل !فبعد سنوات السبعينات ، كما قلت ، تمت القطيعة مع الأغاني السابقة وكذا مع أجيال المغنيين القدامي ، ففي تلك المرحلة تذوقنا مختلف أصناف الأغاني : هناك من غنى الأمازيغية في قالب موسيقي هندي ، والثاني غناها ضمن افلامينكو والثالث بالطقطوقة الجبلية ….إلخ فالمغنيون الأمازيغيون الشباب اليوم ليسوا بالضرورة مسؤولين على ما وصلت إليه الأغنية ولا هم ملزمين بالدفع بهذه الأغنية نحو الأفضل والأحسن …. فانطباعي الشخصي على بعض هؤلاء ممن اعتبرهم بعيدين كل البعد عن خدمة الموسيقى الفعلية ، إنهم  يهيؤون أنفسهم لمغادرة البلاد والاستقرار بأوربا ليس إلا …
  • لذلك فمشكلتنا خطيرة جدا فيما يخص مستقبل الأغنية الأمازيغية بالريف ، بحيث إذا سارت الوضعية على ما هي عليه اليوم ، فسرعان ما سنجد أنفسنا عاجزين على إنتاج الخلف ممن سيواصل رفع مشعل هذه الموسيقى والأغنية للأجيال المقبلة … إلا في حالة ثبوت العكس.
  • ففي الماضي القريب، كان الفنان  ـ رغم انشغاله بالهجرة والتنقل فيما بين المواقع والبلدان  ـ يبدع ويجهد نفسه في الابتكار ، وكذلك الأمر بالنسبة للمصور والرياضي وغيرهما…
  • لقد حققت الأغينة الأمازيغية بالريف نجاحا قبليا ، فهي الرافعة التي أهلتنا لفهم ذواتنا والإلمام بتراثنا الثقافي العام بما فيه الموسيقي ، فما دامت الآلات والأدوات الموسيقية متوفرة بالشكل المطلوب ـ عكس ما كانت عليه في الماضي ـ فذلك يكفي لتشجيع الفنان المغني  و الموسيقي وإسعافه على الخلق والإبداع  وبذلك ستظل الأغنية الأمازيغية عندنا في صحة جيدة وضامنة للعطاء المستمر .
  • في الثقافة الأمازيغية عموما نجد للأغنية   مكانة  حساسة جدا  وعظيمة في نفس الآن ، فمثلا المقام الخماسي الموجود عند أهل سوس ، هو نفسه الذي يشكل مصدر الموسيقى الموجودة في الصين واليابان ، كذلك موسسيقى” بلوز” المنتشرة بين الهنود الحمر بأمريكا نجد نواتها الأصلية في التربة الإفريقية  والمغربية منها !!!نعم لقد أمدنا هؤلاء جميعا بإيقاعات الآلات الجلدية (الإيقاعية)، وأخذوا عنا الألحان …. وهناك عدة شهادات تاريخية  بهذا الصدد : خاصة ما يحكى عن الفنان الأسيوي الذي زاربلدان شمال إفريقيا ومنها المغرب، في جولة استكشافية مرفوقا بآلة وترية ، وبعد أن استقى كل ما راقه من الألحان والأهازيج الشعبية الأصيلة عاد إلى بلاده تاركا آلته تلك بالمغرب ، حيث تم أقلمتها وتكييفها وفق المقامات الموسيقية المحلية ، وهي الآلة التي لا تزال موجودة بمنطقة سوس ( آلة دائرية مغلفة جلديا ويمتد منها عود بيثابة الذراع ) تشبه (الرباب)  ، وكذلك الأمر بالنسبة للأهازيج وانسجام الأنغام الإفريقية التي اختزلها السود الأمريكيين في شكل ألة موسيقية هي ” البانجو” .
  • بالنسبة لمنطقتنا الحسيمة ، لاحظت أن الأغنية عندنا مهما كان قدمها فهي لا تكشف عن قيمة فنية متميزة ، بحيث نلاحظ أن الأغاني الريفية وموسيقاها تفتقرللسلاليم المكتملة / التامة ، وبذلك ظلت ناقصة في النوطة الموسيقية التي لا تتجاوز في الغالب الأعظم النوطة الثالثة إلى حدود الخامسة دون أن تتمم المقام : دو ـ ري ـ مي ـ فا ـ صو ـ لا ـ صي ـ دو حتى الأوكتاف ،  كما نلاحظ في بعضها خللا في الحيز الزمني الفاصل فيما بين هذه النوطات الموسيقية  عكس المقام العالمي الذي يتضمن /un temps ; un temps ; un temps ; Demi tempsمكررة ،  في حين عندنا فلم أجد مقاما خاصا يميز موسيقانا الأمازيغية بالريف عن سواها في  باقي المناطق … وحتى إن وجد هذا المقام ، فغالبا ما يكون مشتركا بين باقي الدول المتوسطية ، مثل الطرب الأندلسي … لذلك فلا نستغرب عند سماعنا لرائعة المرحوم عبد الصادق شقارة التي أشرك فيها الفرقة الإسبانية في الأداء المنسجم والمتناغم ل ” يا بَنْتْ بْلادي” ،  وحتى إن حاولنا

مثلا ، التأكيد على هذا اللحن  :” ويارالا يرا ويرالا بويا .”… أواللحن المعروف في أغنية يامنة الخماري القريب من الاكتمال ، وكذلك اللحن المتضمن  لمقطع ” ماشاروخ أييثما يظهاد مين إودان  ….” من أغنية ” رجذوذ” لتواتون  التي تكتسي طابعا ريفيا غير مستورد من البادية …  وهم في هذا كغيرهم  من الفنانين المعاصرين الذين أدخلوا آلات جديدة التي أسعفتهم على إبداع ألحان جديدة تناسب قافية القصائد المعاصرة  التي تختلف هي الأخرى عما كنا نعرفه عن الميزان الذي ينتظم في إطاره “إزري” الذي كان يصرف وفق ميزان خاص 5/5 أو 7/7 في حين نعثر عند هؤلاء الفنانين الجدد 4/4 أو 2/2   .

من إعداد الاستاذ: محمد الزياني

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى