الرئيسية / ثقافة و اَراء / “موذروس” مسار فنان أمازيغي عاش ومات في الظل
“موذروس” مسار فنان أمازيغي عاش ومات في الظل

“موذروس” مسار فنان أمازيغي عاش ومات في الظل

“موذروس” مسار فنان أمازيغي عاش ومات في الظل

تقديم :1

صورة أخذت للفنان موذروس من على شاطئ ” إزضي” بالحسيمة شهر ماي 1996

هو الحاج محمد بن احساين بن علي بن زيان نجيم المعروف ب” ” الفنان مذروس” ، ولد سنة  1935بدوار إحضرِيًّا، جماعة تزي وسلي، إقليم تازة، من والديه: فاطمة اليعقوبي واحساين بن علي وهو خامس إخوته ، حفظ القرآن الكريم منذ صغره بعد أن تنقله عبر مساجد المنطقة طالبا للعلم والمعرفة وتلقي المبادئ الأولى للقراءة والكتابة ، وعمل في بداية مشواره المهني فقيها” بإحدى مساجد عين زورة” بالريف الشرقيهاجر سنة 1948مثله مثل العديد من أبناء الريف إلى الجزائر بحثا عن شروط أفضل للعيش وبهذا البلد الشقيق ، بدأ الغناء بفعل تردده على الحفلات ومجالسة الفنانين الذين تعرف على أشهرهم في تلك الفترة  منهم الشيخ حمادة ، الشيخ عبد المولى ، الشيخ  الجيلالي ، والشيخ محمد المماشي ، وكذا المطربة نورة التي ترجم لها إلى الريفية أغنيتها الخالدة يا بن سيدي ياخويا يا وآخرين الذين اندمج موذروس سريعا  في عالمهم الفني مفجرا طاقته الغنائية التي لا تنضب ….

توفي رحمه الله بإحدى مستشفيات مدينة القنيطرة بتاريخ الإثنين 12 شتنبر 2005، نتيجة إهمال طبي واضح  بعد أن ترك لحاله في غرفة معزولة وهو يتقطع ألما من انتفاخ مرارته التي لم تمهله طويلا حتى انفجرت وتفتقت وكانت تلك هي نهاية حياته الميلية بالإنجازات الفنية والمغامرات حدث ذلك بمدينة القنيطرة حيث ودفن تاركا 22 ولدا 10 ذكورا و12 إناث من زيجاته الثلاث ..أحداهن من الأطلس 

إليكم عبرحلقات :اهم ما جاء في أول خرجة إعلامية للفقيد بمناسبة زيارته للحسيمة شهر ماي 1996 حيث أجرينا معه حوارا مطولا في إبانه سنعمل اليوم على إعادة نشره على حلقات بالعودة  للشريط  الذي يتضمن النص الأصلي  

5

الزياني محمد في حوار مباشر مع الفقيد الفنان موذروس

سؤال: جل المهتمين بالأغنية الأمازيغية بالريف يعتبرونكم فنانا مبدعا وأغانيكم ذات ميزة خاصة ، سواء على المستوى اللحن الأصيل أو من حيث التعبير الصادق عن واقع بيئتك ، فمن هم المغنون الذين عاصرتهم والذين قد تكون متأثرا بهم إلى هذا الحد أو ذاك ؟

موذروسصراحة ، فإن تواجدي المبكر بالبلاد الجزائرية قد أملى علي الغناء مؤقتا بالعربية وسط مجموعة من فناني تلك المرحلة (الخمسينات) مثل   الشيخ حمادة ، الشيخ عبد المولى ، الشيخ  الجيلالي ،والشيخ محمد المماشي( الذي نظمت له شخصيا قصيدة غناها فيما بعد  ” مولات السالف الطويل ” ، لقد اعتبرت هؤلاء جميعا إخوة لي وما زلت أكن لهم الإخلاص والامتنان .. ، أما بعد عودتي من الجزائر ، فقد تعرفت على فنانين وشيوخ ومغنيين محليين الذين سرعان ما اندمجت في عالمهم   أمثال : شيوخ آيث امحند ، أيث توزين  وغيرهم ، كما تعرفت على ” إمذيازن”  الذين تعاملنا وإياهم بإحسان متبادل انطلاقا من الآية الكريمة ” هل جزاء الإحسان إلإ الاحسان ” غير أن ما يمكن تسجيله بهذا الصدد ، هو ما تميزت به تلك المرحلة (بحر الخمسينات والستينات) من غياب شبه التام لشروط قيام فن غنائي وازن ، سواء من حيث الأدوات والآلات الموسيقية أو من حيث الفضاء الثقافي العام الذي سادت فيه عقلية تقليدية محافظة  ومناوئة للفن وللغناء خاصة ، عكس ما يسود اليوم تماما ، والحمد لله الذي منّ على هذا الجيل الجديد بكل خيراته وأصبح كل شيء في متناوله ، فهذه أجهزة إلكترونية متطورة ، وتلك طرق وتقنيات علمية عصرية في الأداء وفي توظيف تلك الأجهزة  ..إضف إلى ذلك كله الشروط الموضوعية والحوافز المتاحة لممارسة الغناء ، فاحمدوا الله على نعمته هذه ،،لهذا فأنا جد متفائل بهذا التطور/ التحول الإيجابي الذي مس هذا الميدان شكلا ومضمونا ..فلم يعد الفنان اليوم يعاني الأمرين مع الأدوات الموسيقية التقليدية بما فيها الدفوف التي يستعصي تهييئها ي الوقت المناسب رغم أهمية وميزة ما كانت تنسجه من إيقاعات سحرية في انسجامها مع نغمات الناي  / ثامجا  ” القصبة ” التي طبعت موسيقانا بالريف .

سؤال : قد يندهش المرء أول وهلة ، ومعه كل المهتمين بالمجال الغنائي عندنا ، كلما أدرك بانك بقدر ما أنت فنان مبدع ذو إسهامات نوعية ومتميزة في تاريخ الأغنية الأمازيغية بالريف ، بقدر ما أنت في الآن ذاته ، رجل دين وفقيه ! فكيف كان لقاؤك الأول بالأغنية ، وكيف توفقت في المزج بين الدين والفن (الغناء) سيما في بيئة محافظة كما ألفت الذكر؟

موذروس: نعم ، إن لقائي الأول بالأغنية كان لقاء متكافئا   .. التقينا بعد عناء التقصي وتسآل الواحد منا عن الآخر ، إنه لقاء العشق والمعاناة ، لقد ابتليت بنسج لأبيات إزران وأنا طفل صغير متقصيا في خلجان عن هذه الأغنية عبر أطراف المداشر والهضاب وجبال الريف .. ، وأتذكر ـ وأنا أتعلم القرآن الكريم ب”المسيد” ـ أنني ذيلت مضمون لوحي بنصوص عبارة عن مقاطع ” إزران ” ـ   أهجو فيها واعاتب مسلكيات بعض الفقهاء  = الفقهاء) قائلا:

أذِيوْشْ أَرَبِّي صْبَارْ

 إسْيَادِي الطّرْبَا ذ سْيَاذِي إمْرَابْضَنْ

أُحْرَنْ مْسَاكِينْ ازُّوجَنْ عَـــــبْذَنْ

أخْمِي زَارَنْ الزّينْ رَاذنَثْنِينْ إتَعْجِبَاسَنْ أذَيَسْ خَمَّنْ

أرْوَاحْ أَتْزَاضْ مَرَا وْضَنْ إغَسْ غَخََشَّنْ

كِثََجَّسْثْ إرَغْذَايَذْ  إِذَايَسْ غَخَذْمَنْ….ألخ

إلا أن زميلا لي وشى بي عند الفقيه مما عرضني للفلقة ، ومع ذلك فقد زاد  ولعي بهذه الخصلة وزاد شوقي لهذه الأغنية وعاودت الكرة مرارا بعد هذه الواقعة…(يضحك) ..

أما مشاركاتي المبكرة في الحفلات ومختلف المناسبات ، فهي لا تعد ولا تحصى ، علما اننا غالبا ما كنا نساهم في ذلك مجانا وفي سبيل الله  ….لذلك قلت بأنني والأغنية  التحمنا فيما بيننا حد “الحلول الصوفي ”  منذ اللحظة الأولى  وما زلت وفيا لهذه العلاقة إلى يومنا هذا  رغم تقدمي في السن والشيب الذي كتسى رأسي ، فلا أدنو من النوم إلا بعد تلاوة آيات من الذكر الحكيم وبعدها أشرع في ترديد بعض مقاطع ” إزران ”  ولا أكاد أغفو من النوم حتى أجد نفسي اتمتم نغميا بمفردي ..وهذا هو قدري والحمد لله يا بني، لأنني في تلك اللحظات أكون مأخوذا بقوة سحرية خارقة تستهويني وترغم ذاتي   على البوح والاعتراف بهمومها وبهواجسها وأحاسيسها الوجدانية العميقة…

سؤال : ما هي المجالات/ الفضاءات التي كانت تسمح لكم باستظهار منتوجكم الفني والاحتكاك بجمهوركم من المحبين والمتعاطفين ؟

موذروس : حينما لمع نجمي وعلت شهرتي كفنان موذروس ، كونت مجموعة غنائية تضم بينها النساء ، وكنا نجوب أطراف منطقة الريف تلبية لطلبات المحبين والعشاق ، وأذكر هنا أن المجال الرئيس الذي كان يسمح بعرض منتوجنا الغنائي واستظهار قدراتنا الفنية كان هو مجال الأعراس في الريف ، إضافة لبعض المناسبات الموسمية ك”ثيويزاوين” وطقوس أمازيغية أخرى …وفي هذا الباب اتذكر أن التنافس كان على أشده في تلك المرحلة بين شيوخ وفناني القبائل ، أذكر منهم : عمار أرجاي وبوجمعة نتعماروشث من قبيلة آيث محند ،  اللذين اعتُبرا وقتها من كبار فناني المنطقة وشيوخها ، وقد جمعنا في إحدى الليالي الصفية  حفل عرس بدوار ” إخبابن ” وكانت فرقتهما هي السباقة إلى تنشيط الحفل بروائعها الغنائية ورقصاتها المثيرة في تفاعل رائع مع الجمهور الحاضر…مما جعل عمي : الحاج السي محند نسي عري،  يقترب مني ويهمس في أذني قائلا : ” يا موذروس ، فاليوم حاسم بالنسبة لك ! و ما عليك إلا أن تثبت وتبرهن أمام هذا الحشد الهائل من المتفرجين على شجاعتك ومهاراتك الاستثنائية والمتميزة عما نشاهده اللحظة عند هذه الفرقة ” !  حز ذلك في نفسي ، وأوصيت بعض الحاضرين بأن يتعمدوا ويتظاهروا بالاستصغار من شأني كلما سئلوا عن قدراتي المتواضعة ! ثم شرعت في رصد تحركات الشيخ عمار أرجاي وبوجمعة نتعماروشث إلى أن بلغا أوج توهجهما الفني مع ارتفاع إيقاع الحفل وحماسته وسرعان ما ظهرت علامات العياء والوهن على محياهما ..وبسرعة البرق ولجت الساحة / المعترك وفي يدي دف صغير الحجم كنت أديره على مبهمي بشكل مثير حتى لم يعد يُرى للناظرين ، بعد أن اتخذت مكاني بينهما في الصف وسط الساحة الشاسعة مسايرا الإيقاع الجماعي رواحا وجيئة ، وفجأة انفلتُ من وسطهم انفلات الذئب من وسط القطيع وهو يفوز بالغنيمة ! وبتقنيات خارقة وهبني إياها الله سبحانه وتعالى في تلك اللحظة ، جعلتهما عاجزان عن ملاحقتي و مسايرتي في الرقص وفي سرعة التنقل كالبرق من موضع إلى آخر…وفي غمرة التنافس الحماسي هذا طار احدهما ليحط فوق الفرن التقليدي (ثينورث) إثرها لم أشعر أنا وجدت نفسي على سطح الدارمأخوذا بقوة داخلية لا توصف !  .. وهنا كان اندهاش وانبهارالجميع بما فيهم الشيخين المذكورين اللذين سرعان ما استسلما للأمر الواقع وتقدم مني أحدهما وهو عمار أرجاي نفسه مهنئا لي ومشيدا بقدراتي ومهاراتي وتقنياتي الفنية التي  شكلت مفاجأة للجميع قبل أن يرغمني على تسلم (بورتفة =  محفظة لجمع الهدايا )  من يديه رغم الرفض القاطع الذي أبديته إزاء هذا الإكبار والاحترام البالغ الذي ترمز إليه هذه الهدية التي هي هديتهم قبل كل شيء …

وبالرغم كل ما جرى بيننا تلك الليلة المشهودة ، فقد ظلت الصداقة وطيدة بيننا (وسيشهدان بذلك إن كانا لايزالان على قيد الحياة) كما لدي علاقات مع فنانين كثر و أصدقاء يجمعنا الود والاحترام المتابدل  منهم أحمد ميمون بدوار” خندوق” واللائحة طويلة ، مما يجعلني ألح  على ضرورة سيادة مثل هذه العلاقة الحميمية بين فنانينا الذين هم اليوم بمثابة أبنائنا واحفادنا ، كما اوصيهم بالتحلي بقيم الشجاعة والثقة في النفس والحماس العملي في مجال الإبداع الفني..(يتبع)

                                           حاوره : محمد الزياني بالحسيمة شهر ماي 1996

ــــــــــــــــــــــــ

في الحلقة القادمة ، يتحدث فيها موذروس عن علاقته بباقي فناني الريف والمغرب عموما  ، وعن دور المرأة في رفع راية الأغنية الأمازيغية بالريف ونظرته لوضع الأغنية الشبابية في مغرب اليوم …وغيرها من المحاور ذات علاقة ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى